الخطيب الشربيني
392
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ولو تفلت في البحر والبحر مالح * لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا وقال آخر « 1 » : وللرزق أسباب تروح وتغتدي * وإني منها غير غاد ورائح قنعت بثوب العدم من حلة الغنى * ومن بارد عذب زلال بمالح وقال محمد بن حازم « 2 » : تلونت ألوانا علي كثيرة * وخالط عذبا من إخائك مالح وقال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة بنت الزبير « 3 » : ولو وردت ماء وكانت قبيله * مليحا شربنا ماءه باردا عذبا وقال الخطابي : يقال : ماء ملاح كما يقال : أجاج وزعاق وزلال قال : وإنما نزل الشافعي من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح وحسما للإشكال والالتباس ؛ لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب فيظن أن الطهارة به جائزة . وثاني الأجوبة : أن الشافعي إمام في اللغة فقوله فيها حجة . وثالثها : أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ولم يذكرها بل من كلام المزني وهذا ليس بشيء ، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني وعنه مندوحة . وقولهم : لم يذكرها الشافعي غير صحيح ، وقد أنكره البيهقي ، وقال : بل سمى الشافعي البحر مالحا في كتابين « أمالي الحج » و « المناسك الكبير » . فائدة أخرى : وهي أن ابن عمر قال في البحر : التيمم أحب إلينا منه وقال : بحركم هذا نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنوار ، ولكن روى أبو هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من لم يطهره البحر فلا طهره الله » « 4 » ويؤول كلام ابن عمر بأنه سيصير يوم القيامة نارا أو بأنه مهلكة يهلك كما تهلك النار ، ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عمّ الخطاب . ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا لكنه صار لشدة ألفه لا يقوم بأنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر خص بالخطاب فقال : وَتَرَى الْفُلْكَ أي : السفن سمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره الماء ، وقدم الظرف في قوله تعالى : فِيهِ لأنه أشد دلالة على ذلك مَواخِرَ أي : جواري مستدبرة الريح شاقة للماء بجريها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة يقال : مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب : بنات مخر ؛ لأنها تمخر الهواء ، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر ؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره ثم علق بالمخر معللا قوله تعالى لِتَبْتَغُوا أي : تطلبوا طلبا شديدا مِنْ فَضْلِهِ أي : الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها ، ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ولم يجر به ذكر في الآية ولكن فيما قبلها ، ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه وَلَعَلَّكُمْ
--> ( 1 ) البيتان من الطويل ، ولم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 3 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 4 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1 / 4 ، والدارقطني في سننه 1 / 36 .